جمعية راصد لحقوق الإنسان
  • الرئيسية

  • من نحن

    • التعريف بالجمعية

    • المكتب الإداري التنفيذي

    • النظام الأساسي والداخلي

    • للإنضمام للجمعية

    • تبرع للجمعية

    • للإتصال بنا

  • نشاطات الجمعية

  • بيانات وتقارير الجمعية

  • أرسل شكواك لنا

جمعية راصد لحقوق الإنسان

جمعية راصد لحقوق الإنسان

  • الرئيسية

  • من نحن

    • التعريف بالجمعية

    • المكتب الإداري التنفيذي

    • النظام الأساسي والداخلي

    • للإنضمام للجمعية

    • تبرع للجمعية

    • للإتصال بنا

  • نشاطات الجمعية

  • بيانات وتقارير الجمعية

  • أرسل شكواك لنا

009613885410 info@rassed-lb.org
24/07/2026
  • تقارير واخبار حقوقية

  • أراء ومقالات

  • حملات المناصرة

  • دراسات وابحاث

  • قضايا

دراسات وابحاث

حول مفهوم حقوق الإنسان

حول مفهوم حقوق الإنسان

ـ مقاربة أولية ـ

غالب عامر كاتب وباحث

لقد أضحت مسألة حقوق الإنسان إلى جانب الحرية والديمقراطية وما يرتبط بها من حقوق للمواطنة والمجتمع المدني ، الصوت المدوي في الوطن العربي ، وذلك بعد الإخفاقات المتعاقبة التي منيت بها التجربة السياسية العربية في معظم أقطارها على امتداد العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي ، وما نجم عنها من إشكالات بارزة في البناء الاجتماعي والاقتصادي ، وما واكبها من إقصاء متبادل لتعبيرات النخب السياسية في أحزابها وقواها التي ارتضت لنفسها سبيل الانفراد والتفرد في الحكم ، والانعزال عن المجتمع واحتياجاته الإنسانية في التقدم والاستقرار السياسي والأمني ، والطموح نحو الدخول في صميم العالم ، والمساهمة في بناء الحضارة الإنسانية .

ولا ريب أن تزايد الاهتمام بحقوق الإنسان في أعقاب الإعلان العالمي عنها في 10 كانون الأول 1948 ، مرتبط لدى الشعوب بنمو الوعي بهذه المسألة الحيوية وتعبيرها عن النزوع إلى الحرية بمفهومها الفكري / الفلسفي وتعيناتها الموضوعية في ممارسة المجتمعات لها في مختلف ميادين الحياة ، والنضال على امتداد حركة التاريخ وتحولاتها العميقة من أجل التحرر والانعتاق من القهر والظلم الاجتماعي والسياسي المتراكب داخليا ً وعالميا ً .

لذلك فإن مجال حقوق الإنسان مرتبط بفضاء الوجود العالمي والكلي الإنساني للاجتماع البشري ، الذي يجد تعينه السياسي والمجتمعي في نشوء الأمم والدول وتمايزها في التطور التاريخي والحضاري ، ومن هنا ذلك الارتباط الوثيق بين العام والخاص ، بين الأمة والعالم ، لأن التعبيرات الاجتماعية للمسألة مرتبطة بطبيعة هذه الأمة وعاداتها وأعرافها ، وأيضا ً ما تطمح إليه من أهداف تسعى لتحقيقها من خلال تموضعها وسط العالم ، وما فيه من أمم وشعوب ، ودول وتحالفات وأقطاب .

ويعتبر الفضاء الخاص للأمة العربية في نضالها لإحياء حقوق الإنسان لديها ، عبارة عن تحديد البنية المكانية / الاجتماعية لمجال هذا العمل في الإطار العام لكونية فلسفة الحرية الإنسانية وشمولها ، وذلك عبر تمثل وتجاوز النزعة التي يمكن لها أن تهدف للتمركز القومي على الذات ، بوصفه ” أي التمركز ” يشكل في المحصلة ، كما هو في أوروبا والولايات المتحدة ، وهما ً بالتمايز الذي يصيب المسألة بتشوهات لا حدود لها .

ونقول أن المسألة بالنسبة لأمتنا تتمثل في إحياء هذه الحقوق وإعادة إنتاجها في صورتها الحديثة والمعاصرة ، وليس في ابتداعها ، لأن في تراث هذه الأمة وثقافتها ، وعلاقاتها الداخلية مع الأمم والشعوب على امتداد التاريخ ما يشير بصورة موضوعية إلى تحقق النزعة الإنسانية في الجسم الاجتماعي ، قبل انحلال الدولة العربية الواحدة، ومنذ أن تجسدت هذه النزعة التعاقدية في وثيقة ” المدينة ” وما أعقبها من تساؤل مشهور لعمر بن الخطاب ” متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ً ” ليشكل هذا التساؤل موقعا ً لإدانة كل من يحاول اختراق حقوق الإنسان من الحكام والهيئات الحاكمة .

ولم تعد تلك الصورة البسيطة التي تبرز فيها قضية العلاقات السياسية الداخلية قائمة كمعيار وحيد لتموضع الحقوق والواجبات على محورها ، فما يتسم به عصرنا من تشابك المصالح وتعدد المجالات ، يجعل من مسألة حقوق الإنسان ، قضية لمختلف ميادين الحياة ، في الاجتماع والسياسة والاقتصاد ، وفي الثقافة والمعرفة ، وفي مجال التنمية البشرية بأبعادها المختلفة ، وبدون الإحاطة بهذه الجوانب مجتمعة ، وإدراك طبيعة العلاقة التي تربط بينها داخل الجسم الاجتماعي للأمة ، وفي امتدادها عبر العلاقات الدولية بين الأمم والشعوب ، تبقى قضية حقوق الإنسان مجزوءة ، وتتحول إلى مجرد لوحة إعلامية ، يتم توظيفها من قبل أولئك الذين يمارسون عملية التزييف الإعلامي لجوهرها وأبعادها الحضارية .

ولاريب أن المحور الذي يمكن أن ترتبط فيه بصورة وثيقة ، وترتكز عليه طبيعة العلاقات الداخلية بجوانبها المتعددة ، يتمثل في العقد المدني الذي يتوافق عليه الكل الاجتماعي ، وتنبثق من خلاله كافة مؤسسات المجتمع المدني ، بما فيها مؤسسة الدولة وما يرتبط بها من سلطات يحكمها جدل التواصل والاستقلال ، وفقا ً لسيادة الدستور والقانون الذي ينبثق عن عقد الإرادة الشعبية وتعاقدها الاجتماعي والسياسي .

ثمة ، إذا ً ، مستوى آخر لحماية حقوق الإنسان والمواطن في الدولة الحديثة ، ويتمثل في سيادة القانون العادل ، والناظم لإيقاع الحياة الداخلية في المجتمع .

وليس انتهاك حقوق المواطنة بكل تجلياتها ، في المحصلة ، إلا انتهاكا ً للقانون وما يتضمنه ويضمنه من معايير مدنية وحقوقية لتثبيت أسس الاستقرار الداخلي للمجتمع وصون وحدته الوطنية الديمقراطية .

وعلى امتداد هذه الدوائر الثلاثة المتداخلة والمترابطة فيما بينها ( الفكرية / الفلسفية العامة والكلية الأولى منها أو نواتها ، والدائرة القومية الخاصة بثقافة الأمة وتراثها ونظام الحكم القائم فيها والدائرة الحقوقية التي تتجلى في أنماط السلوك الفردي والجماعي ) .

يتبدى أهمية الوعي بالأسس الناظمة لحقوق الإنسان والمواطن ، وتجلياتها التي تتطلب العمل لتحقيقها في الواقع العياني للعلاقات الاجتماعية التي يفترض في صيرورتها وتحولها لعلاقات مدنية حديثة ومعاصرة .

يعاني المستوى الأول أو الدائرة الأولى / النواة في الفكر والفلسفة والاجتماع الإنساني ، من اختراقات لا حدود لها تتجلى في اغتراب الإنسان ، عن مجتمعه ، وإقصاء معظم الشعوب والأمم في العالم الثالث ، وعوالم أخرى ، عن حقوقها الوطنية والقومية ، وذلك نتيجة للاستلاب الرأسمالي العالمي لهذه الحقوق الفردية والاجتماعية ، الإقليمية منها والدولية ، حيث يتم اختراق كافة المؤسسات والمواثيق التي يفترض أن تكون ناظما ً للعلاقات بين الأمم والشعوب والدول على مستوى العالم ، وذلك بعد أن تم إحلال مفهوم القوة وتجلياته الرأسمالية والعلمية والتقنية والعسكرية مكان مفهوم الحق والحقوق المدنية والسياسية والوطنية ، وحق الاستقلال والسيادة والتنمية والتقدم ، وحق التحرر ونوال الحرية الفردية والاجتماعية بكل تجلياتها ومضامينها ، وأبعادها الحضارية .

وبدلا ً من هذه المضامين والأبعاد ، تفرض الإمبريالية الأمريكية المعولمة معاييرها المنفلتة من عقال المواثيق الدولية وفقا ً لمنطق القوة الطاغية الذي يشكل ناظم السياسة الخارجية الأمريكية وانتهاكاتها لحقوق الشعوب والأمم الساعية إلى التحرر ونوال الحرية والاستقرار السياسي والأمني .

ومع اتساع الفجوة الأمنية والعلمية والتقنية والعسكرية ، وأيضا ً الاقتصادية ، بين دول الغرب الرأسمالي التي تطحن البشرية باستغلالها ، وسطوتها ، وانتهاكها لاستقلال الشعوب ، وبين هذه الشعوب وما تطمح إليه من إعادة إنتاج التنمية والتقدم والديمقراطية يصبح المفهوم العالمي لحقوق الإنسان وميثاقه الأساسي عرضة للانتهاكات التي لا حدود لها في عالم العولمة القسرية الراهنة واتجاهاتها المدمرة لجوهر الحياة الإنسانية .

ومن جانب آخر ، نلاحظ أن أبرز الأسباب الكامنة في تفاقم أزمة الثقافة العالمية في مجال حقوق الإنسان ، وذلك الافتراق الكبير بين سياسات الدول ، وفضاء هذه الحقوق ومنطقها ، أن الطبيعة البنيوية للمؤسسات الدولية ومواثيقها ناجمة عن التوافق بين مواقع القوة العالمية وتوازناتها التي أفرزتها نتائج الحرب العالمية الثانية ، وما أعقبها من صراعات وحرب باردة بين ثنائية قطبية ما لبثت أن توقفت مع انهيار الاتحاد السوفييتي ، وتحول تلك الحرب إلى عدوان أمريكي وإرهاب دولي أفقد المؤسسات الدولية موقعها ودورها وحتى مقومات استمرارها مع اتساع الاختراق الإمبريالي ، والبربرية الصهيونية التي تقدم نموذجا ً فائق التصور لكيفية انتهاك حقوق الشعوب ، وحقوق الإنسان والمواطن ، وتعيد الإنسانية في منطقتنا إلى ما قبل التحولات الحضارية على امتداد ثلاثة قرون من الزمن ، حيث تعيد الانبعاث لمخزون الذاكرة الإنسانية ولزمن الفظائع والمجازر التي ارتكبت بحق الهنود الحمر وسكان القارة الأمريكية .

لذلك ، لا بد لمواقع الفكر العالمي من البحث في طبيعة الأوضاع الدولية الراهنة ، وكيفية إحداث تغييرات بنيوية في الأسس السياسية والاقتصادية التي تبنى عليها العلاقات الدولية ، وفي الدوافع الكامنة خلف اغتصاب الحقوق الوطنية في العديد من المناطق في هذا العالم ، وفي المقدمة منها الوطن العربي وما يتعرض له في وسطه الجيوسياسي “الاغتصاب الصهيوني” واحتلال العراق .

إن الادعاء بأحقية النظام الرأسمالي العالمي الحضارية ، قول ينطوي على النفاق السياسي ، ومحاولة إقناع الرأي العالمي بإدامة الاضطهاد والاستغلال ، وانتهاك شرعة حقوق الإنسان ، وتطوير أسس الأرستقراطية الإمبريالية التي لم تعد تهتم بتوظيف مكتسبات العلم المعاصر لصالح الملايين من البشر .

ثمّة ، إذا ً مهمة إنسانية تنتظر أصحابها لمعاودة العمل من جديد بالرغم من كل الإحباطات المتوالية التي نشهد ، ولعل أبرز عناصر هذه المهمة ، وحال المؤسسات الدولية ما هي عليه من عجز وقصور وتقصير ، هو بلورة ما يمكن اعتباره عقد عالمي جديد للإنسانية في هذه ” القرية الكونية ” البائسة :

· فالعقد العالمي الإنساني ، الذي نقصد ، يبدأ من العمل على إعادة هيكلة العلاقات الدولية على أسس مدنية حديثة بين مواقع التقدم ، ومواقع التأخر التاريخي على هذا الكوكب ، فلكل أمة حضارتها المتميزة على سلم التطور التاريخي للإنسانية ، ولكل منها جهودها المساهمة في صنع الحضارة الإنسانية ، ولكل منها حقها الطبيعي في التنمية والتقدم والاستقرار ، وفي نصيب عادل من الثروة العالمية التي يجري نهبها وهدرها وتبذيرها دون حساب …..

· والعقد العالمي الإنساني ، ثانيا ً ، صيغة تعاقدية يتم عبرها إلزام الدول الصناعية المتقدمة ، للعمل على إنهاء حالة اللاتكافؤ السائدة في التطور العلمي والإعلامي والثقافي والاقتصادي بين الأمم ، وإنهاء حالة التدخل السافر والصفيق في الشؤون الداخلية للدول التي تعمل في سبيل التقدم والنهوض وسط القيود الإمبريالية المتعددة الأبعاد .

· والعقد العالمي ، ثالثا ً ، هو تحقيق لإرادة إنسانية مغايرة تماما ً لإرادة القوة الطاغية ومنطقها المهيمن في عالمنا المعاصر ، حيث يتم في ظل حضور منطق الحق وإنجاز مقومات الحقوق الأساسية للإنسان ، تلك التي يتم انتهاكها بدرجات مختلفة في كافة مناطق العالم دون استثناء ، في الوقت الذي تعمل فيه الإمبريالية على تبرئة ذمتها المدانة دائما ً ، وذلك من خلال التلاعب بدلالة المفاهيم ، وخلط الأوراق ، وقتل الذاكرة .

وفي مستوى آخر ، لمسائل حقوق الإنسان ، وحرية الفرد ، وحقوق المواطنة التي ما تزال شعارا ً وهدفا ً وتطلعاً إلى مستقبل ممكن وواجب بآن ، وفي وسط الدائرة التي تتعلق بالثقافة القومية الخاصة بأمتنا العربية ، وبطبيعة أنظمة الحكم القائمة وعلاقة الدولة بالمجتمع ، والسلطة بالشعب ، نلاحظ التداخل الكبير بين العالمي والمحلي ، بين سياسة القوى الخارجية وهيمنتها وأهدافها الإمبريالية ، وبين الطبيعة البنيوية للسلطة الأمنية القطرية القائمة في الوطن العربي ، مما ينجم عنه جدلية الظلم والقهر المضاعف التي تحكم أبناء الأمة وتتحكم بواقعهم وبطبيعة الحياة التي تنتهك فيها كافة الحريات الأساسية للمواطنين ، وتجعل من مسألة الحقوق الوطنية الفردية والاجتماعية القضية الأولى ، والمدخل الرئيس لكل نضال وعمل وطني يسعى لتحقيق كرامة الإنسان والوطن والأمة ، وبدون هذا المدخل الحيوي والراهن ، يفتقد أي نضال وطني لأبعاده الإنسانية ، ومضامينه الديمقراطية ، ومآله السياسي المدني .

على امتداد العقود الثلاثة السابقة ، أضحت السلطة القطرية في بلادنا والأقطار العربية موضع تساؤل ، في واقع انفصالها عن المجتمع واحتياجاته الأساسية ، وطموحاته المشروعة للتحرر والحرية ، والتنمية ، والتقدم الاقتصادي والاجتماعي والعلمي ، والاستقرار الأمني والسياسي ، وذلك نظرا ً لاحتجازها الحريات الأساسية للمواطنين ، وإقصاء معظم الفاعليات الاجتماعية والثقافية والسياسية عن المساهمة الفاعلة في صوغ القرارات الوطنية في مختلف الميادين ، فما يحكمها من علاقة احتواء وإقصاء ، وتهديد مباشر بالحصار والعقوبات من قبل القوى الإمبريالية ، تعمل على تنفيذه في علاقاتها الداخلية ، مما أدى إلى تغييبها المبادئ الأساسية للحرية والديمقراطية ، وأبرزها في مجال حقوق الإنسان انعدام مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين في العمل والتعليم وارتياد مؤسسات الدولة ، وفي ممارسة الدور والوظيفة الاجتماعية والسياسية للإنسان .

وما يرتبط بذلك تفاقم مشكلة المرأة ، عبر انكشاف عجز السلطة عن تمكينها من ارتياد موقعها في مجال العمل والإنتاج ، وإنهاء وضع تبعيتها التاريخية للرجل ، إذ أن افتقاد المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات ، لابد أن ينبثق عنه إدامة التخلف الحضاري وتداعياته التي ما تزال قائمة .

إن جذر المشكلة يكمن في توقف السلطة الأمنية القطرية خلف موقعها الذي يفيض فيه الاستبداد عن الوطن ، بحيث لم تعد قادرة ( أو لا تريد ذلك فالأمر سيان ) على التحول من سلطة يثير استمرارها الاستفهام ، إلى دولة مدنية حديثة ، دولة للحق والقانون والكل الاجتماعي …

لذلك ، تجدر الإشارة ، إلى أن الحرية الفردية والاجتماعية ، وما يندرج في إطارها من حقوق وواجبات ،تبتدئ وتبدأ حين يتوقف الجهل والتجهيل ، وسلاسل الفقر والبطالة والفساد والإفساد ، عن الفعل والتأثير في الحياة الداخلية للمجتمع ، وحين يفسح في المجال لكافة الفعاليات الاجتماعية لإعادة إنتاج عقد اجتماعي وطني ديمقراطي يشكل الأساس لبناء مجمل العلاقات الداخلية في البلاد ، وبذلك لا يكون المجتمع المدني مجرد انعكاس للدولة لأن الدولة الديمقراطية ووحدتها الوطنية هي التعبير عن المجتمع المدني ، بوصفها المؤسسة العليا لهذا المجتمع .

وعندما ندعو لعقد اجتماعي عالمي للإنسانية ، فإن هذه الدعوة تفتقد لرصيدها في الواقع ، إن لم تكن مؤسسة على إعادة ترتيب الأوضاع وفقا ً لعقد اجتماعي وطني وديمقراطي مدني ، وإن لم تكن السبيل لنزع التبعية وإنهاء حالة التجزئة السياسية في الوطن العربي ، والتحول نحو إنجاز مهام بناء الدولة / الأمة .

ذلك أن القوى الإمبريالية المعولمة ، والصهيونية العالمية تستند في سيناريوهاتها المتعددة لاختراق الدائرة العربية على ركائزها ثلاث : تتمثل في التبعية وانعدام التكافؤ في مجمل العلاقات القائمة بيننا وبينها ، وفي إدامة التجزئة السياسية وتعميق الانفصال بين المجتمع والدولة ، وفي الإبقاء على حالة التخلف الحضاري التي نعيش وطأتها وتداعياتها في مختلف ميادين الحياة .

* * *

أما الدائرة الثالثة التي تحيلنا إلى أنماط السلوك الاجتماعي والسياسي ، والنشاط العلمي والثقافي والاقتصادي في إطاره الفردي والمؤسساتي ، فلا بد من ضبط إيقاعه عبر تحديد مفهوم الحقوق والواجبات ، وفي إطار سيادة القانون الذي يشكل الناظم الرئيس لمختلف العلاقات المؤسسة لهذا السلوك أو النشاط ، والمنبثقة عنها في أبعادها ومضامينها :

ففي مجال الاجتماع والثقافة والإعلام ، تتطلب سيادة القانون حرص المواطن على الوحدة الوطنية ، والتماسك الاجتماعي ، والاهتمام بتراث الأمة الحضاري وإعادة إنتاج ثقافتها المدنية الحديثة ، وصونها من اختراقات الغزو الثقافي وقيم النزعة الاستهلاكية ، ومواجهة أمراض الموروث الاجتماعي التي يمكن لها أن تنبعث من جوف التاريخ مكتسبة طابعها الفاشي المدمر لوحدة المجتمع وتماسكه ، كالطائفية والقبلية والعشائرية ، إضافة لمواجهة الإعلام الغربي المزيف حول العديد من المفاهيم المدنية التي يقال فيها كلمة الحق التي يراد بها باطلا ً.

وفي مجال السياسة ، في مفهومها الحديث الذي تتلامح أبعاده على امتداد فضاء المجتمع ، دون أن يكون قاصرا ً ومقصورا ً على فئة معينة تحكم مسار السياسة وتتحكم وتختزل مضامينها على قد ومقاس مصالحها الضيقة ، وبعيدا ًعن احتكار السلطة وإقصاء الكتلة التاريخية للأمة عن تقرير مصيرها ومستقبل بلادها ، بعيدا ً عن ذلك كله وتداعياته التي تتسم بالعسف والاستبداد ، تصبح السياسة شأن الأمة ، حيث تنطلق كافة الفعاليات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لممارسة الحرية والديمقراطية في إطار من التعددية السياسية وحق الاختلاف والتمايز والتغاير داخل الإطار العام للوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي .

وسط مناخ الحريات الأساسية , إذن , ينشأ ويتبلور مفهوم الواجب الاجتماعي والوطني , ومفهومي المسؤولية والمساءلة ,ة حيث ينضج عبرها معنى القانون الذي يحدد سلسلة الوسائل والغايات في السياسة والاقتصاد والاجتماع , وسبل تقويم الانحرافات والأخطاء , والخطايا التي يمكن أن يرتكبها المسؤولون وبعض المواطنين على حدَ سواء .

ثمة , إذن تداخل واضح بين المستويات المتعددة لحقوق الإنسان , وخاصة في الدول التي لم تنجز مهامها الكبرى بعد , وفي مقدمتها بناء الدولة الأمة وتحقيق مقومات الاستقرار الاجتماعي والسياسي , وبذلك يصبح العمل على إنجازها , تعبير آخر من التعابير المرتبطة بمسألة الحقوق والواجبات .

وأزعم أن في هذه المحاور التي أشرنا إلى رؤوس موضوعاتها ما يشكل مقاربة أولية لدلالة المفهوم وأبعاده , في منطقة من العالم تعاني من اضطهاد مضاعف , وحالة من عدم الاستقرار الناجم عن سيطرة الاستبداد السياسي , واختراقات القوى الإمبريالية في مجالات ومستويات متعددة , ولعل في هذه المقاربة ما يشير إلى أهمية نشر الوعي الثقافي بمسألة معاصرة ينمو الشعور الجمعي بأهميتها كمنطلق وأساس لإعادة هيكلة العلاقات داخل مؤسسات المجتمع المدني , وبين كافة أطيافه وفاعلياته المتعددة .

ومن , تنبثق أهمية أن يكون هناك ” صوتاً للإنسان ” في سورية والوطن العربي معبراً عن هذه الضرورة الثقافية والإعلامية , للكشف عن مواطن الخلل , ومواقع اختراق الحقوق القانونية والاجتماعية , وكيفية معالجتها من خلال البحث عن أسبابها ودوافعها في الوضعية العربية الراهنة.

  • X
  • فيسبوك
  • لينكدإن
  • جيميل
  • واتساب
  • تليجرام
  • Twitter
  • Facebook
  • Instagram
  • YouTube
  • LinkedIn
  • Telegram Broadcast
  • WhatsApp
  • TikTok
جميع الحقوق محفوظة "جمعية راصد لحقوق الانسان " @2024 يمكنكم التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني info@rassed-lb.org
  • X
  • فيسبوك
  • لينكدإن
  • جيميل
  • واتساب
  • تليجرام